الغزالي
104
إحياء علوم الدين
تغضب ، أذكرك حين أغضب ، فلا أمحقك فيمن أمحق . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيفا إلى حاجة ، فأبطأ عليه ، فلما جاء قال [ 1 ] « لولا القصاص لأوجعتك » أي القصاص في القيامة . وقيل ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم ، إذا غضب أعطاه صحيفة فيها ارحم المسكين ، واخش الموت ، واذكر الآخرة ، فكان يقرؤها حتى يسكن غضبه الثالث : أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام ، وتشمر العدو لمقابلته ، والسعي في هدم أغراضه ، والشماتة بمصائبه ، وهو لا يخلو عن المصائب ، فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا ، إن كان لا يخاف من الآخرة . وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب ، وليس هذا من أعمال الآخرة ، ولا ثواب عليه ، لأنه متردد على حظوظه العاجلة ، يقدم بعضها على بعض ، إلا أن يكون محذوره أن تتشوش عليه في الدنيا فراغته للعلم والعمل ، وما يعينه على الآخرة ، فيكون مثابا عليه الرابع : أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب ، بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ، ومشابهة صاحبه للكلب الضاري ، والسبع العادي ، ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب ، للأنبياء والأولياء ، والعلماء والحكماء ، ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس ، وبين أن يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء ، إن كان قد بقي معه مسكة من عقل الخامس : أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ، ويمنعه من كظم الغيظ ولا بد وأن يكون له سبب . مثل قول الشيطان له ، إن هذا يحمل منك على العجز ، وصغر النفس والذلة ، والمهانة ، وتصير حقيرا في أعين الناس . فيقول لنفسه ، ما أعجبك ! تأنفين من الاحتمال الآن ، ولا تأنفين من خزى يوم القيامة والافتضاح ، إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منه ! وتحذرين من أن تصغرى في أعين الناس ، ولا تحذرين من أن تصغرى عند الله والملائكة والنبيين ! فمهما كظم الغيظ . فينبغي أن يكظمه لله ، وذلك يعظمه عند الله فما له وللناس ، وذل من ظلمه يوم القيامة أشد من ذله لو انتقم الآن . أفلا يحب أن يكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة ليقم من أجره على الله ، فلا يقوم إلا من عفا . فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يقرره على قلبه .